مسيح بن حكم الدمشقي
57
الرسالة الهارونية
كالبرغوث ، نطاحا كالثور ، حليما كالنعجة ، ماكرا كإبليس اللعين ، مضلا كالشيطان ، مهلكا كالجن ، بعيدا من الأنس كالملك . وقد يشبه رأسه السماء ، ورجلاه الأرض ، وعيناه الشمس والقمر ، ويمينه اليمن ، وذلك أن كمال الحرارة والرطوبة في الكبد كمعان البحار في [ التيمن ] « 81 » ، ويشبه شماله الذي في الطحال « 82 » برد الشمال ، ويشبه وجهه ومستقبله المشرق وخلفه المغرب . وجملة القول فيه أنه ليس شيء في جميع العالم المشبه من الجسدانيين والروحانيين من المشابهة والمجانسة والدلائل ومشابهة الطبائع والعادات والأخلاق إلا وهو موجود في الإنسان ، فهو يوجد مفترقا في جميع أعضائه مجموعا محصورا في أجزائه . فكتفاه كالجبال ، وركبتاه كالكدى والفجاج ، ومرفقاه كالشعاب . وجميع معادن الأرض من حار وبارد وذهب وفضة وحديد ونحاس ورصاص وقصدير وغير ذلك من الجواهر والمعادن والطعام والألوان ، موجود في الإنسان . فمعدن الذهب دمه ، ومعدن الفضة بلغمه ، ومعدن النحاس المرار الأصفر ، ومعدن الحديد المرار الأسود ، والقصدير يشبه الخام المتولد عن الطبيعة ، والرصاص يشبه البلغم التفه . وفي هذا كلام كثير وغرضنا الاختصار ، فالإنسان صغير في كيفيته ، كبير في قوته ، قصير في قامته ، طويل في أجزائه . فهذه صفة الإنسان وهو الخلق العجيب وهو العالم الصغير الذي اختصر فيه العالم الكبير ؛ وهذا دليل معرفة البارئ سبحانه . لا اله إلا هو العزيز الحكيم .
--> ( 81 ) . من ج ود وت . ا وب : في النمير . ( 82 ) . ب : الطيحان .